
مقدمة:
الوقف ملك لجماعة المسلمين ، يتكون من صدقات المحسنين ليعم نفعه غلى ذوي الحاجة حسب متطلبات المجتمع ، و قد كان المسجد الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم أول وقف في الإسلام ، واقبل الصحابة و المسلمون من بعده على تغذية هذه المؤسسة التي عمت خدماتها و شملت ما قصر من دونه بيت المال ، فكان ما يقدمه المحسنون لمؤسسة الوقف مكملا و معضدا لما يقوم به بيت المال المسلمين ، و قد اقتضى تعاظم أملاك الوقف ، واتساع مجالات خدماتها ، إلى أن تنشأ لها إدارة خاصة بها تعمل تحت نظر الدولة ، و لكنها في نفس الوقت مستقلة عنها .
و إذا كان الوقف العام قد بدأ ببناء المساجد، فانه اتسع فيما بعد ليمول النشاط العلمي و الدراسي سواء في المساجد أو في المدارس التي أنشأت حولها لاستقبال العلماء و الطلبة، و حبس المحسنون عقاراتهم على الخدمات العلمية مثل نسخ الكتب و إنشاء المكتبات العامة ، و على الخدمات الغذائية و الصحية للطلبة و للفقراء و المساكين و أبناء السبيل ، ثم توسع الوقف ليشمل المستشفيات و مراكز البحث العلمي بمختلف فروعه .
وقد تسابق أهل الجزائر كإخوانهم في بقية البلاد الإسلامية إلى المساهمة في أعمال البر، فكان لعائدات الأوقاف فيها أهمية بالغة في الحياة الاجتماعية و الثقافية ، حتى أصبحت الأوقاف مصدر الرزق للرباطات و الزوايا و المساجد و المدارس و الكتاتيب ، كما قام الوقف بدور بارز في عملية التضامن الاجتماعي و توزيع الثروات ليستفيد منها الفقراء و العجزة و المرضى و الأيتام ... الخ
وقبل تناول وضعية الأوقاف الجزائرية خلال حقبة تمتد من أواخر العهد العثماني إلى ما بعد الاستقلال مرورا بالفترة الاستعمارية و ذلك قصد التعرف على تنظيم الأوقاف و إدارتها يجدر بنا إعطاء نظرة موجزا عن أحكام الوقف بصفة عامة .
أحكـام عامـة عـن الوقـف
1- تعريف الوقف :
الوقف في اللغة : هو الحبس .
و في اصطلاح الفقهاء : هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح . ويقصد بقطع التصرف فيه انه لا يجوز للواقف أو ناظر الوقف بيعه أو هبته كما انه لا يورث عن الواقف .
و في تعريف آخر : الوقف هو "حبس العين على ملك الواقف و التصدق بالمنفعة " . ويقصد بعين الوقف أو رقبته أصله و هو الشـيء الذي وقفه الواقف كأن يكـون دارا أو بستـانا .
2- أنواع الوقف .
الوقف الخيري (العام) : ما جعلت فيه المنفعة لجهة أو أكثر من جهات الخير .
الوقف الأهلي (الخاص) : ما جعلت فيه المنفعة للأفراد .
الوقف المشترك : ما يجمع بين الوقف الخيري و الأهلي .
3- حكم الوقف من الناحية الشرعية .
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقف مستحب .
و دليلهم ما ورد من أدلة عامة من الكتاب والسنة تدل على الحث على الصدقات و الوقف صدقة . من ذلك قول الله تعالى :" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وقوله صلى الله عليه وسلم :" إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " . و الوقف صدقة الجارية .
كما استدلوا بأدلة خاصة بالوقف من ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال : " أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أصبت أرضا لم اصب مالا قط أنفس منه فكيف تأمرني به ، قال إن شئت حبست أصلها و تصدقت بها ، فتصدق عمر... انه لا يباع أصلها و لا يوهب و لا يورث ، في الفقراء و القربى و الرقاب و في سبيل الله و الضعيف
و ابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه " .
و معنى (أنفس) أي أغلى و أجود . و معنى (وليها ) أي يتولى النظارة عليها ، و هذا الحديث أصل في مشروعية الوقف و أحكامه .
4- أركان الوقف وشروطه .
للوقف أربعة أركان : الصيغة ، الواقف ، الموقوف عليه و الموقوف .
أ – الصيغة : و هي اللفظ الدال على إرادة الوقف و ينقسم إلى قسمين : صريح وكناية . أما الصريح فكأن يقول الواقف : وقفت أو حبست أو سبلت . أما الكناية فهي التي تحتمل معنى الوقف و غيره و مثاله : الصدقة ، و جعلت المال للفقراء أو في سبيل الله و نحوها ، و لا ينعقد الوقف بألفاظ الكناية إلا إذا قرنها الواقف بما يدل على انه يريد بها الوقف .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوقف كما ينعقد باللفظ ينعقد بالفعل كأن يبني مسجدا و يأذن للناس في الصلاة فيه ، أو مقبرة و يأذن في الدفن فيها . فيصير المسجد و المقبرة وقفا بالقرينة الدالة على إرادة الوقف .
و يشترط في صيغة الوقف الجزم : بأن تكون صيغة الوقف جازمة لا تحتمل عدم إرادة الواقف فلا ينعقد الوقف بالوعد ، و يشترط فيها التنجيز و يقصد به عدم تعليق الوقف على شرط كتعليق الوقف على قدوم شخص . و يشترط في الصيغة كذلك التأبيد بأن تدل الصيغة على استمرار الوقف دون تقييد بزمن فلا يصح تأقيت الوقف بمدة معينة و هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ، و قال المالكية بجواز تأقيته . و يقصد بالتأقيت تعيين مدة زمنيـة ينتهي الوقف بمضيها .
ب- الواقف :يشترط في الواقف أن يكون أهلا للتبرع بأن يكون عاقلا ، بالغا ، غير محجور عليه مختارا غير مكره ، مالكا للعين التي يريد وقفها .
ج – الموقوف عليه : و هي الجهة التي تنتفع بريع الوقف و يشترط فيها أن تكون جهة بـر و ليست جهة معصية و أن تكون غير منقطعة بمعنى ألا تعود منفعة الواقف بأن يقف على نفسه ، و من الفقهاء من أجازه ، كما ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط أن تكون الجهة مما يصح أن تملك فلا يصح الوقف عن الجنين .
د – الموقوف : و يشترط فيه أن يكون مالا يجوز الانتفاع به شرعا فلا يصح وقف الخمر مثلا و يشترط فيه أن يكون مالا معلوما ملكا للواقف و يشترط دوام الانتفاع فيه وليس من المستهلكات التي يزول عينها كالأطعمة .
5- وجوب العمل بشرط الواقف :
إذا شرط الواقف في وقفه ما لا يخالف الشرع و لا يخالف مصلحة الوقف أو الموقوف عليهم وجب إتباع شرطه ، و يعتبر الفقهاء شرط الواقف كنص الشارع في وجوب التزامه ، ومثال الشروط المخالفة للشرع أن يشترط الواقف العزوبية فيمن يستحق الوقف . و مثال الشرط المخالف لمصلحة الوقف ما إذا شرط ألا يؤجر الوقف إلا بأجرة معينة و الحال أن هذه الأجرة لا يكفي لعمارة الوقف أو أن تصبح أقل من أجرة المثل ، ففي هذه الأحوال و أمثالها لا يعمل بشرط الواقف و نص الفقهاء على أن الوقف إذا اقترن بشرط غير صحيح بطل الشرط و صح الوقف .
