بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد فإن صوم رمضان عبادة راقية: تعتمد على الإيمان بالله خالق الإنسان والكون وبأن الله فضَّل الإنسان بالعقل وأنه أعطى الحكمة للإنسان الذي يلتزم حدود عقله في التفكير.
وتعتمد عبادة الصوم كذلك على الإيمان برسالة محمد عليه الصلاة والسلام وأن رسالته وحي من السماء تمثلت
في القرآن الكريم.وما جاء فيه من توجيهات وقواعد للسلوك الصحيح كما تمثلت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية.
فالقولية ما رواه عنه الصحابة ثم التابعون ومن تبعهم، مما هو مسجل في كتب الحديث الصحيح المعتمدة والفعلية ما ذكره هؤلاء من أفعاله مثل كيفية الصلاة والحج وغير ذلك.
والسنة التقريرية ما فعله الصحابة أمامه وأقرهم عليه ولم ينههم عنه.
وتعتمد عبادة الصوم من جهة أخرى على أن الله لم يشرع الصوم ليحرمنا من متعة الأكل والشرب ولا ليحرمنا من متع الحياة.قال تعالى :" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "
وإنما هي تربية للمؤمن الذي يفضل متعة الطاعة وإعلان الخضوع والخنوع لله.
لأن المؤمن عندما يخضع لله وحده يتحرر من أن يخضع لغير الله كما يتحرر من تحكم شهواته الجسمية ، ومن سيطرة الهوى على سلوكه.
فعبادة الصوم صورة من صور التعبير الفعلي عن حرية المؤمن وتحكمه في شهواته ،قال الإمام أبو حامد الغزالي : " الذي يقهر شهواته هو الحر بالتحقيق "، والصوم في نفس الوقت صورة من صور السلوك العقلي والاستفادة من هذه النعمة التي كرم الله بها الإنسان ، والتي بها يتميز عن غيره من المخلوقات.
إن الصائم يراعي شهود الحق سبحانه وتعالى في كل حركاته الجسمية والفكرية ، والصائم في عبادة حقيقية ما دام
في صحبة الله.
وقد قال صلى الله عليه وسلم : " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك".
فهو لا يريد بذلك أن نرمي المسك ونتطيب بخلوف فم الصائم وإنما يريد صلى الله عليه وسلم ،أن ما نتج عن العبادة حتى ولو كان مكروها في العادة ، فهو مفضل على ما تألفه العادات من الطيبات ومثل ذلك ما ذكره عليه الصلاة والسلام من أن خشونة يد العامل أفضل من نعومة اليد التي لا تعمل.
فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم " أنه صافحه رجل فأحس في يد الرجل خشونة وتشققا بسبب عمله في الزراعة فقبّل صلى الله عليه وسلم يد الرجل وقال : هذه يد يحبها الله ورسوله "
إن ما يطرأ على جسم المؤمن من تغيرات بسبب العبادة والعمل المنتج عبادةٌ يكتسب بها من الفضائل ما لا يوجد في متع الراحة واللهو .
وأي متعة أفضل وأسمى من أن نجالس من نحب وبخاصة
إذا كان الذي نحبه هو الله المعبود وحده بحق ،والمحبوب وحده بإخلاص وصدق.
تقبل الله منا ومنكم صيام رمضان ، وجعلنا وإياكم من يقبل طاعته ويجتبيه لصحبته.
آمين.