أولا: التثويب.
وهو أن يقول المؤذن في أذان الصبح بعد قوله: حي على الفلاح: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، مرتين.
وهو سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجرى به عمل أهل المدينة ومكة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
ففي حديث أبي محذورة رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أُؤَذِّنُ لِرسول الله صلى الله عليه وسلم، وَكُنْتُ أَقُولُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ الأَوَّلِ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ»([1]).
موضع التثويب.
لا يختلف المالكية في تخصيصه بالأذان الثاني، لعمل أهل المدينة.
وحملوا ما جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه «وَكُنْتُ أَقُولُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ الأَوَّلِ» على أن المراد منه الأذان الذي يسبق الإقامة، لأن الإقامة تسمى أذانا، كما قال B: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ»([2]).
واعترضوا على القائلين بأن موضعه الأذان الأول عملا بظاهر الحديث ، بأن لفظ «الأَوَّلِ» يحتمل أن يقصد به الأذان الذي يكون قبل الفجر، أو الأذان بعد الفجر، لأن لفظ الأول يصدق عليهما معا.
ونحن نحمل قوله رضي الله عنه: «فِي الأُولَى مِنَ الصُّبْحِ» على الأذان الثاني، بدليل قوله بعد ذلك: «مِنَ الصُّبْحِ»، فبين مراده بالأولى.
ويؤكده ما جاء في رواية عبد الرزاق والدارقطني: «فَإِذَا أَذَّنْتَ بِالأُولَى مِنَ الصُّبْحِ»، فهو أول باعتبار الإقامة، وثان باعتبار الأذان الذي يسبق الفجر.
ويؤيده ما جاء عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ»([3]).
ومعنى قَوْلِها رضي الله عنها: «إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ»، أي الأذان بعد طلوع الفجر الذي يسبق الإقامة، وجاء ذلك مفسرا عن أم سلمة رضي الله عنها إذ قالت: «أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ مِنَ الأَذَانِ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَينِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاَةُ»([4]).
وإذا كان الإطلاق في قول أبي محذورة رضي الله عنه: «وَكُنْتُ أَقُولُ فِي أَذَانِ الفَجْرِ الأَوَّلِ»، فيقيد بما جاء في رواية أبي داود والطبراني: «فَإِنْ كَانَ صَلاَةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ»، أي إن كنت في وقت صلاة الصبح، وصلاة الصبح إنما تكون بعد طلوع الفجر، وهو موضع الأذان الثاني.
وفي الرواية الأخرى لأبي داود: «وَكَانَ يَقُولُ فِي الفَجْرِ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ»، أي بعد بزوغ الفجر، وهو وقتٌ للأذان الثاني.
ومما يقوي أيضا أن المقصود هو الأذان عند طلوع الفجر، لفظ: «الأُولَى»، جاءه التأنيث على أحد الاحتمالات من قِبَل مؤاخاته للإقامة.
ثم إنه لم يرد في شيء من النصوص النبوية تسمية الأذان الأول الذي شُرع قبل الفجر، بأذان الفجر أو الصبح، بل الثابت عنه صلى الله عليه وسلمأنه قال في حديث ابن عمر رضي الله عنه: «إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا تَأْذِينَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»([5]).
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ أَوْ قَالَ: نِدَاءُ بِلاَلٍ مِنْ سُحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ قَالَ: يُنَادِي بِلَيْلٍ، لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَيُوقِظَ نَائِمَكُمْ»([6]).
فلم يضف صلى الله عليه وسلمهذا الأذان إلى الفجر، وقال: «يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ».
ومرّ أيضا في أثر ابن عمر ما يدل على أنّهم كانوا يطلقون الأذان الأول على أذان الصبح الذي يسبق الإقامة، فقد قال نافع: «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لاَ يُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ بِالأُولَى، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُقِيمُ الصَّلاَةَ وَيَقُولُ: إنَّمَا التَّثْوِيبُ بِالأُولَى فِي السَّفَرِ مَعَ الأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ النَّاسُ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلاَةِ»([7]).
ثانيا: الترجيع.
وهو أن يأتي بالتشهدين بصوت منخفض يسمعه الحاضرون، ثم يرجعهما أي ينادي بهما بصوت مرتفع، فلو ترك الترجيع أو لم يُسْمِع الحاضرين لم يكن آتيا بالسنة.
والأصل في سنية الترجيع العمل المتوارث بالمدينة.
قال الإمام الباجي رحمه الله: «الترجيع مسنون، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ليس بمسنون، والدليل على ما نقوله النقل المستفيض بالمدينة والخبر المتواتر بها على حسب ما قدمناه وبيناه، ودليل آخر وهو حديث أبي محذورة في الأذان وفيه: «ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ»([8]).
وحديث أبي محذورة رضي الله عنه: «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلمعَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ مَرَّتَيْنِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ مَرَّتَيْنِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ»([9]).
وحديث أبي محذورة رضي الله عنه فسره مالك بما جرى به العمل عندهم بالمدينة وتوارثوه فقال: «الأَذَانُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ.
أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
قَالَ: ثُمَّ يُرَجِّعُ بِأَرْفَعَ مِنْ صَوْتِهِ بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ.
أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»([10]).
قال الإمام سند في كتابه الطراز: «قال في المدونة: ويكون صوته في ترجيع الشهادتين أرفع من الأول، يقتضي أنه كان له أول مرة صوت يسمع، وأنه لا يخفيهما، وهو صحيح، فإنه إنما شرع على وجه الأذان وهو الإعلام ، فلا بد أن يكون على وجه يحصل به الإعلام»([11])
وقال المازري: «وربما غلط بعض العوام من المؤذنين، ....فيخفي صوته حتى لا يسمع، وهذا غلط»([12]).
([1]) حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/408 رقم: 15413)، وأبو داود (1/136 رقم: 500)، والنسائي (2/13 رقم: 647)، وابن خزيمة (1/200 رقم: 385)، وابن حبان (4/578 رقم: 1682)، وعبد الرزاق (1/457 رقم: 1779)، وأبو يعلى في معجمه (1/129 رقم: 136)، والطبراني في الكبير (7/174 رقم: 6735)، والبيهقي (1/394 رقم: 1716).
وقال النووي في المجموع (3/99): «إسناده صحيح».
([2]) متفق عليه من حديث عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه.
أخرجه البخاري (1/144 رقم: 624)، ومسلم (1/573 رقم: 838).
([3]) متفق عليه. أخرجه البخاري واللفظ له (1/145 رقم: 626)، ومسلم (1/508 رقم: 736).
([4]) متفق عليه. أخرجه البخاري (1/143 رقم: 618)، ومسلم واللفظ له (1/500 رقم: 723).
([5]) سبق تخريجه في الصفحة (0).
([6]) متفق عليه. أخرجه البخاري (1/144 رقم: 621)، ومسلم (2/768 رقم: 1093).
([7]) سبق تخريجه في الصفحة (0).
([9]) سبق تخريجه في الصفحة (0).